من الحصان إلى الذكاء الاصطناعي: الصناعات الجديدة التي سيخلقها الذكاء الاصطناعي والذكاء الفائق

حين حلت السيارات محل الخيول اختفت صناعات كاملة وولدت صناعات جديدة. ماذا يعني الذكاء الاصطناعي والذكاء الفائق لصناعات المستقبل ووظائفه؟

39 دقيقة للقراءةRead in English

في صباح عيد الفصح عام 1900 التقط مصور صورة لشارع فيفث أفينيو في نيويورك من مكان مرتفع. تُظهر الصورة نهرًا من العربات التي تجرها الخيول يملأ الشارع من جانب إلى آخر، ويذكر تعليق الأرشيف الوطني الأمريكي على الصورة حركة العربات التي تجرها الخيول وسيارتين فقط. وبعد ثلاثة عشر عامًا، في عيد الفصح عام 1913، تُظهر صورة من وكالة «بين» للأنباء الشارع نفسه. هذه المرة يمتلئ الشارع بالسيارات، وعليك أن تبحث في الصورة طويلًا حتى تجد حصانًا واحدًا.

ثلاثة عشر عامًا أقل من عمر المسيرة المهنية لمعظم الناس. وفي هذه المدة القصيرة بدأ اقتصاد كامل قام على الحصان يتفكك: الإسطبلات، والحدادون، وصانعو السروج واللجام، ومصانع العربات، وتجارة التبن والعلف، وعمال النظافة الذين كانوا يجرفون روث الخيول من الشوارع. وفي الوقت نفسه ظهر اقتصاد جديد لم يكن أحد تقريبًا في عام 1900 يستطيع أن يصفه بالتفصيل: مصانع السيارات، ومحطات الوقود، وقروض السيارات، والموتيلات، والطرق السريعة، والضواحي، وشركات النقل بالشاحنات، ومدارس تعليم القيادة. بعض العائلات التي صنعت العربات لأجيال انتهى بها الأمر إلى صناعة السيارات، وبعضها ظل يصنع السياط حتى لم يبق أحد يشتريها.

نحن نعيش اليوم تحولًا من النوع نفسه مع الذكاء الاصطناعي والذكاء الفائق. لم يعد السؤال هل ستغير هذه التكنولوجيا العالم، فهي تغيره بالفعل. السؤال الحقيقي هو ما يحاول هذا المقال أن يجيب عنه: هل ستظل متمسكًا بصناعات الماضي، أم ستكون من الناس الذين يبنون صناعات المستقبل؟ وللإجابة نراجع ما حدث فعلًا حين حلت السيارات محل الخيول، ولماذا يستخدم معظم الناس أي تكنولوجيا جديدة في البداية لأداء العمل القديم، وماذا تقول أحدث الأبحاث عمن يحقق قيمة حقيقية من الذكاء الاصطناعي في 2026، وما الصناعات الجديدة التي يخلقها الذكاء الاصطناعي الآن، وماذا يعني كل ذلك لمصر والعالم العربي ولكل من يعمل في التسويق.

شارع فيفث أفينيو في نيويورك صباح عيد الفصح عام 1900 مزدحمًا بالعربات التي تجرها الخيول
فيفث أفينيو في نيويورك صباح عيد الفصح عام 1900. يذكر تعليق الأرشيف الوطني حركة العربات التي تجرها الخيول وسيارتين فقط. الصورة: الأرشيف الوطني الأمريكي، ملكية عامة
شارع فيفث أفينيو في نيويورك في عيد الفصح عام 1913 ممتلئًا بالسيارات الأولى
الشارع نفسه في عيد الفصح عام 1913: أصبح الشارع ملكًا للسيارات. الصورة: وكالة بين للأنباء، مكتبة الكونجرس، ملكية عامة

ما حجم الاقتصاد الذي قام على الخيول؟

من الصعب اليوم أن نتخيل كم كانت الحياة اليومية تعتمد على الخيول. في عام 1900 كان الحصان هو الشاحنة والتاكسي والجرار وسيارة التوصيل والحافلة. كانت المدن تعتمد على عربات الترام والعربات التي تجرها الخيول، وكانت المزارع تعتمد على الخيول والبغال في الحرث والزراعة والنقل. وكل حيوان من هذه الحيوانات كان يحتاج إلى من يربيه ويطعمه ويركّب له الحدوات ويجهز سرجه ولجامه ويؤويه ويعالجه، ثم ينقله في النهاية بعد نفوقه.

الأرقام ضخمة. فقد أحصى التعداد الأمريكي 25,199,552 حصانًا وبغلًا في المزارع الأمريكية في 1 يناير 1920، وهي الذروة، بحسب تقرير تعداد 1940 عن الثروة الحيوانية. وكان إطعامها يستهلك جزءًا كبيرًا من أرض البلاد. فقد حسب المؤرخان الاقتصاديان آلان أولمستيد وبول رود أن حيوانات الجر في المزارع كانت تستهلك بين عامي 1880 و1920 إنتاج نحو 22% من كل الأراضي الزراعية المحصودة في الولايات المتحدة، وكانت الحيوانات في المدن والمناجم تستهلك إنتاج 5% أخرى. وبلغت المساحة المستخدمة لزراعة علف الخيول والبغال ذروتها نحو عام 1915 بنحو 93 مليون فدان، بحسب دراستهما عن الجرار الزراعي. بعبارة أخرى، كان نحو ربع محصول البلاد يذهب إلى الحيوانات التي تؤدي العمل.

شارع برودواي في نيويورك عام 1894 بعربات الترام والعربات التي تجرها الخيول
شارع برودواي في نيويورك عام 1894: عربات ترام وعربات ركاب ونقل تجرها الخيول. وكل حيوان منها كان يحتاج إلى إسطبل وعلف وسرج وحداد. الصورة: مكتبة الكونجرس، ملكية عامة

وحول هذا الاقتصاد الحيواني قامت قائمة طويلة من الحرف والأعمال، وكانت كلها مستقرة ومحترمة، وظلت لعقود آمنة تمامًا:

  • الحدادون ومركّبو حدوات الخيل، الذين كانوا يحدّون الخيول ويصلحون الأدوات في كل بلدة تقريبًا.
  • صانعو السروج واللجام وأطواق الجر.
  • صانعو العربات والعربات الخفيفة وعربات النقل، من الورش الصغيرة إلى المصانع التي يعمل فيها الآلاف.
  • إسطبلات التأجير، التي كانت تؤجر الخيول وتؤويها وترعاها، كما تفعل شركات تأجير السيارات والجراجات اليوم.
  • تجار التبن والعلف، والمزارعون الذين يزرعون الشوفان والتبن لخيول المدن.
  • مربو الخيول وتجارها والأطباء البيطريون.
  • شركات الترام التي تجره الخيول، والسائقون وعمال الإسطبلات الذين عملوا فيها.
  • صانعو السياط، حتى إن بلدة وستفيلد في ولاية ماساتشوستس عُرفت باسم «مدينة السياط».
  • عمال نظافة الشوارع، الذين كانوا يزيلون الروث الذي تتركه الخيول في كل شارع.

ووستفيلد مثال جيد على مدى اكتمال هذه الصناعات. فقد تأسست فيها شركة السياط الأمريكية عام 1892 بدمج عدد من صانعي السياط المحليين، وكانت في ذروتها خلال العقد الثاني من القرن العشرين أكبر مصنع للسياط في العالم، بحسب تاريخ مجمع مصانعها. وكان لدى العاملين فيها كل الأسباب للاعتقاد بأن صناعتهم دائمة، فالخيول كانت جزءًا من حياة البشر منذ آلاف السنين.

جنود يتعلمون تركيب حدوات الخيل والحدادة في ورشة عام 1918 وحدوات الخيل معلقة على العوارض
حتى عام 1918 كان الجيش الأمريكي يدير مدرسة لتركيب حدوات الخيل والحدادة في واشنطن. الصورة: الأرشيف الوطني الأمريكي، ملكية عامة

ماذا حدث للصناعات التي قامت على الخيول؟

انكمشت بسرعة، ثم انهارت دفعة واحدة. وأرقام التعداد تروي القصة. فمن الذروة التي تجاوزت 25 مليونًا عام 1920، انخفض عدد الخيول والبغال في المزارع الأمريكية إلى 13,931,531 في أبريل 1940، أي بانخفاض نسبته 44.7%. وذكر التعداد أن الأراضي الزراعية التي كانت تعيل 11,268,021 من حيوانات العمل قد تحررت لاستخدامات أخرى. وبحلول عام 1959 لم يبق في المزارع سوى أقل من 3 ملايين حصان وبغل، وشرح التعداد السبب في جملة واحدة: الجرارات والشاحنات والكهرباء أصبحت توفر معظم الطاقة في المزارع الأمريكية، كما جاء في ملخص تعداد 1959. وانخفضت الأرض التي كانت تطعم الخيول من نحو 93 مليون فدان إلى 5 ملايين فدان فقط بحلول عام 1960، بحسب أولمستيد ورود.

وفي الاتجاه المعاكس ارتفعت أعداد السيارات بالسرعة نفسها. كان في الولايات المتحدة 8,000 مركبة مسجلة عام 1900، و468,500 عام 1910، وأكثر من 9.2 مليون عام 1920، و26.7 مليون عام 1930، ونحو 74 مليونًا عام 1960، بحسب الجدول التاريخي للإدارة الفيدرالية للطرق السريعة. وفي وقت ما بين 1920 و1935 تقاطع الخطان. ومنذ ذلك الحين كان اقتصاد الخيول يعيش على وقت مستعار.

رسم بياني: الخيول والبغال في المزارع الأمريكية مقارنة بالمركبات المسجلة من 1920 إلى 1960
الخيول والبغال في المزارع الأمريكية مقابل المركبات المسجلة، بالملايين. تعداد الزراعة الأمريكي لعامي 1940 و1959، والإدارة الفيدرالية للطرق السريعة. الرسم: Adams Analytics

لم يشعر العاملون داخل الصناعات القديمة في البداية بأن ما يحدث ثورة. شعروا بأنه تراجع بطيء: عملاء أقل قليلًا كل عام، ومرابط أكثر فراغًا في الإسطبل، حتى يأتي يوم لا يعود فيه العمل مجديًا. وصانعو السياط في وستفيلد مثال جيد على ردَّي الفعل الممكنين. بعضهم أغلق أبوابه. أما شركة السياط الأمريكية فتصرفت بذكاء أكبر: في عام 1928 غيرت اسمها إلى شركة الخيوط الأمريكية، وانتقلت من صناعة السياط إلى ضفر خيوط الصيد من الكتان والحرير. استخدمت ما تجيده، وهو الضفر، في سوق كانت لا تزال تنمو.

ولم يختف الحصان نفسه أيضًا، بل انتقل من العمل إلى الترفيه. فالخيول اليوم في معظمها للرياضة والسباقات والفروسية والسياحة، وهي صناعة ما زالت موجودة لكنها تؤدي دورًا أصغر بكثير في الاقتصاد مما كانت تؤديه. وهذا نمط يستحق أن نتذكره: حين تحل تكنولوجيا جديدة محل طريقة قديمة في العمل، نادرًا ما تختفي الطريقة القديمة تمامًا. إنها تنكمش إلى سوق صغيرة، غالبًا فاخرة أو تحمل طابع الحنين، بينما ينتقل السوق الواسع إلى غيرها.

ما الصناعات الجديدة التي خلقتها السيارة؟

هذا هو الجزء من القصة الذي كان أصعب ما يتخيله الناس في عام 1900. فالسيارة لم تحل محل الحصان واحدًا مقابل واحد فقط، بل خلقت شبكة كاملة من الصناعات الجديدة، وكثير منها لا علاقة له بالنقل في النظرة الأولى.

أولها صناعة السيارات نفسها، وقد غيرت طريقة صنع الأشياء. ففي عام 1913 قدم هنري فورد خط التجميع المتحرك، فأصبحت سيارة موديل تي تخرج من الخط كل 93 دقيقة، بعدما كانت تستغرق 12 ساعة ونصف الساعة بطريقة التجميع الثابت القديمة. وبين عامي 1908 و1927 أنتجت فورد أكثر من 15 مليون سيارة موديل تي، بينما انخفض سعرها من 850 دولارًا إلى ما لا يزيد على 260 دولارًا، بحسب متحف هنري فورد. وفي يناير 1914 أعلنت الشركة أنها ستدفع خمسة دولارات مقابل يوم عمل من ثماني ساعات، بعد أن كان الأجر 2.34 دولار مقابل تسع ساعات. وهكذا نما الإنتاج الضخم والأجور الواسعة والاستهلاك الواسع معًا.

عمال على خط التجميع المتحرك في مصنع فورد عام 1913
خط التجميع المتحرك في مصنع فورد عام 1913. صارت سيارة موديل تي تخرج من الخط كل 93 دقيقة بدلًا من كل 12 ساعة ونصف. الصورة: ملكية عامة

ثم جاءت صناعات تزود الآلات الجديدة بالوقود وتمولها وتؤوي أصحابها:

  • محطات الوقود. في 1 ديسمبر 1913، عند تقاطع شارعي باوم وسانت كلير في مدينة بيتسبرج، افتتحت شركة جلف للتكرير محطة يدخلها السائقون بسياراتهم لشراء البنزين. باعت المحطة في يومها الأول 30 جالونًا بسعر 27 سنتًا للجالون، وقدمت الهواء والماء وخدمة الإطارات مجانًا، وباعت أول خرائط طرق تجارية في الولايات المتحدة، بحسب الجمعية الأمريكية لتاريخ النفط والغاز. وخلال عقود قليلة انتشرت محطات الوقود على الطرق في كل مكان.
  • قروض السيارات. في عام 1919 أسست جنرال موتورز شركة جي إم إيه سي لمساعدة الوكلاء على تمويل مخزونهم. وقبل ذلك كان من يريد سيارة أو شاحنة مضطرًا إلى الدفع نقدًا أو البحث عن تمويل بنفسه من بنوك لم تكن تقرض عادة لشراء السيارات، بحسب شركة آلاي، التي أصبحت جي إم إيه سي جزءًا منها.
  • الموتيلات. في 12 ديسمبر 1925 افتُتح موتيل «مايلستون» في مدينة سان لويس أوبيسبو بولاية كاليفورنيا، بسعر 1.25 دولار لليلة. وابتكر مصممه المعماري آرثر هاينمان كلمة «موتيل» اختصارًا لعبارة «فندق السيارات»، بحسب قناة كيه إس بي واي الإخبارية. لقد خلق السفر على الطرق صناعة ضيافة خاصة به.
  • الطرق والطرق السريعة. أصبحت الطرق الممهدة والجسور وإشارات المرور، ثم شبكات الطرق السريعة الوطنية، جهدًا هائلًا من الأشغال العامة، وصناعة كاملة من المقاولين والمهندسين وموردي المواد.
  • كل شيء آخر حول السيارة. ورش الإصلاح والميكانيكيون، ووكالات البيع، والإطارات وقطع الغيار، والتأمين، ومدارس تعليم القيادة، وشرطة المرور، والجراجات، والنقل بالشاحنات والخدمات اللوجستية، ومطاعم الطرق، والضواحي ومراكز التسوق المبنية حول مواقف السيارات.
رسم توضيحي: الصناعات التي اختفت مع الحصان والصناعات التي ولدت مع السيارة
ما الذي اختفى مع الحصان، وما الذي خلقته السيارة. التواريخ من مصادر هذا المقال. الرسم: Adams Analytics

انظر إلى هذه القائمة مرة أخرى واسأل نفسك: من كان يستطيع في عام 1900 أن يتنبأ بها؟ ربما خمّن حداد أن السيارات ستحتاج إلى إصلاح. لكن قلة قليلة كانت ستخمن أن السيارات ستغير أماكن سكن العائلات، وطريقة إقراض المال، وطريقة بيع الطعام، وطريقة قضاء الإجازات. وهذا أهم درس من التحول من الحصان إلى السيارة: الفرص الكبرى لم تكن في أداء العمل القديم بالآلة الجديدة، بل في الاحتياجات الجديدة التي خلقتها الآلة.

أذرع روبوتية برتقالية تعمل في خط إنتاج بمصنع حديث
بعد قرن من الزمان امتلأت المصانع التي خلقتها السيارة بالروبوتات. الصناعة يعاد بناؤها من جديد. الصورة: Simon Kadula على Unsplash

من رأى التغيير مبكرًا، ومن فاته؟

أكثر قصص تلك الفترة لفتًا للنظر هي قصص أشخاص جاءوا من الصناعة القديمة نفسها، ومع ذلك رأوا الصناعة الجديدة قبل غيرهم.

كان ويليام ديورانت صانع عربات. في عام 1886 اشترى شركة لصناعة العربات الخفيفة، وحولها مع شريكه دالاس دورت إلى شركة ديورانت دورت للعربات في مدينة فلينت بولاية ميشيجان. وأصبح الشريكان مليونيرين خلال عشر سنوات. ثم تولى ديورانت إدارة شركة بويك للسيارات وجعلها ناجحة، وفي عام 1908 تفاوض على الصفقات التي أسست شركة جنرال موتورز، بحسب جمعية مقاطعة جينيسي التاريخية. أما شركة العربات نفسها فقد أنهت إنتاج العربات رسميًا عام 1917. لم ينقذ صانع العربات العربة، بل بنى الشركة التي حلت محلها.

مبنى مصنع ديورانت دورت للعربات من الطوب الأحمر في مدينة فلينت بولاية ميشيجان
المصنع رقم واحد لشركة ديورانت دورت للعربات في فلينت بولاية ميشيجان، حيث أسس صانع عربات شركة جنرال موتورز. الصورة: Andrew Jameson، رخصة CC BY-SA 3.0

ونشأ الإخوة فيشر حول ورشة لصناعة العربات التي تجرها الخيول في بلدة نوروك بولاية أوهايو. انتقل فريد وتشارلز فيشر إلى ديترويت، وأسسا شركة فيشر لهياكل السيارات في 22 يوليو 1908. كانت مهارتهما صناعة الهياكل، أي الجزء الذي يجلس فيه الركاب من العربة، فطبقاها على السيارات. وبحلول عام 1914 أصبحت شركتهما أكبر مصنع لهياكل السيارات في العالم، وفي عام 1919 اشترت جنرال موتورز 60% منها، بحسب تاريخها. ولعقود طويلة حملت سيارات جنرال موتورز لوحة صغيرة تقول إن هيكلها من صنع فيشر.

وبدأت شركة ستودبيكر عام 1852 في مدينة ساوث بند بولاية إنديانا صانعةً للعربات بأنواعها. ثم بدأت صناعة السيارات الكهربائية عام 1902، وسيارات البنزين عام 1904 بالشراكة مع شركات أخرى، وباعت أول سيارات بنزين من صنعها بالكامل عام 1912، بحسب تاريخ الشركة. كانت صانعة عربات جرّبت مبكرًا، وأخطأت، وغيرت مسارها، ونجت من التحول.

والآن قارن هؤلاء بمن حاولوا إيقاف التغيير. في بريطانيا حدد قانون القاطرات لعام 1865، الذي عُرف باسم «قانون الراية الحمراء»، سرعة المركبات ذاتية الحركة على الطرق بأربعة أميال في الساعة في الريف وميلين في الساعة في المدن، وألزم بأن يسير شخص على قدميه أمام المركبة بمسافة 60 ياردة حاملًا راية حمراء، بحسب تاريخ قوانين القاطرات. أُلغي شرط الراية عام 1878، لكن الشخص الماشي ظل مطلوبًا حتى حرر قانون القاطرات على الطرق السريعة لعام 1896 المركبات الخفيفة من القواعد القديمة. واحتفل أصحاب السيارات برحلة سموها «رحلة التحرير» من لندن إلى برايتون، مزق فيها اللورد وينشيلسي راية حمراء إلى نصفين، بحسب تاريخ الرحلة. لقد حمى القانون العالم القديم من العالم الجديد ثلاثة عقود، لكنه لم ينقذ العالم القديم، بل جعل بريطانيا أبطأ فقط.

وحوّل أستاذ التسويق ثيودور ليفيت هذه الفكرة إلى واحدة من أشهر الأفكار في عالم الأعمال. ففي مقاله «قِصر النظر التسويقي»، الذي نُشر أول مرة عام 1960، قال إن الصناعات تتراجع حين تعرّف نفسها بمنتجها بدلًا من الحاجة التي تلبيها. صانع العربات الذي ظن أنه في مجال العربات انتهى أمره. أما صانع العربات الذي فهم أنه في مجال نقل الناس براحة فقد استطاع أن يصنع هياكل السيارات. والسؤال نفسه ينطبق على كل شركة اليوم: هل أنت في مجال صناعة التصميمات، أم في مجال مساعدة عملائك على أن يبيعوا أكثر؟

لماذا يستخدم الناس التكنولوجيا الجديدة لأداء العمل القديم أولًا؟

كانت السيارات الأولى تسمى «العربات التي لا تجرها الخيول»، وهذا الاسم وحده يكشف كيف كان الناس يفكرون فيها: عربات، لكن بلا حصان. حتى شكل السيارات الأولى كان يشبه العربات. فالناس يفهمون التكنولوجيا الجديدة من خلال القديمة التي يبدو أنها ستحل محلها، فيستخدمونها لأداء العمل القديم أفضل قليلًا.

وهناك عبارة شهيرة تُنسب عادة إلى هنري فورد، مفادها أنه لو سأل الناس عما يريدون لقالوا خيولًا أسرع. والأرجح أنه لم يقلها. فقد بحث موقع كوت إنفستيجيتور ولم يجد أي دليل على أن فورد قالها، وأقدم صيغة وجدها تعود إلى عام 1999، وأول نسبة لها إلى فورد تعود إلى عام 2001، أي بعد وفاته بأكثر من خمسين عامًا. لكن العبارة بقيت لأنها تصف شيئًا صحيحًا: الناس يطلبون تحسين ما يعرفونه بالفعل.

وأقوى دليل على ذلك يأتي من الكهرباء، وهي أقرب سابقة تاريخية للذكاء الاصطناعي لدى الاقتصاديين. ففي ثمانينيات القرن التاسع عشر وتسعينياته كانت المصانع تُدار بمحرك بخاري واحد أو بعجلة مائية، وكانت قوته تنتقل إلى أنحاء المبنى عبر أعمدة حديدية طويلة معلقة في السقف، تتدلى منها سيور جلدية إلى كل آلة. وحين ظهرت المحركات الكهربائية استبدلت مصانع كثيرة المحرك البخاري بمحرك كهربائي كبير واحد، وأبقت كل شيء آخر كما هو: الأعمدة نفسها، والسيور نفسها، وتصميم المبنى نفسه. لقد استخدمت التكنولوجيا الجديدة لأداء العمل القديم.

ورشة عام 1916 تدار فيها الآلات بسيور من عمود معلق في السقف
ورشة عام 1916: كل آلة تتحرك بسيور من عمود واحد معلق في السقف. لم تؤت الكهرباء ثمارها إلا حين تخلت المصانع عن هذا التصميم. الصورة: Fortepan، ملكية عامة

وكانت النتائج مخيبة لعقود. فقبل عام 1899 كانت المياه والبخار مصدر أكثر من 95% من الطاقة الميكانيكية في الصناعة الأمريكية. واحتاجت الكهرباء حتى نحو عام 1919 لتوفر نصفها، وبحلول عام 1929 أصبح أكثر من 75% منها كهربائيًا، بحسب دراسة للاقتصاديين أندرو أتكيسون وباتريك كيهو للمكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية. ولم تأت المكاسب الكبيرة إلا حين أعيد تصميم المصانع حول الكهرباء: محرك مستقل لكل آلة، ومبان مرتبة حول تدفق العمل لا حول عمود مركزي. وكما تشرح الدراسة، استنادًا إلى المؤرخين وارن ديفاين وبول ديفيد، فإن تبني الكهرباء تطلب إعادة تصميم كاملة للمصنع.

رسم بياني: نسبة الطاقة الميكانيكية في المصانع الأمريكية التي توفرها الكهرباء في 1899 و1919 و1929
احتاجت الكهرباء نحو ثلاثين عامًا لتغيير المصانع، لأنها لم تؤت ثمارها إلا بعد إعادة تصميم المصانع حولها. أتكيسون وكيهو، المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية، استنادًا إلى ديفاين. الرسم: Adams Analytics

وقد جعل الاقتصادي بول ديفيد هذه المقارنة مشهورة في بحث نشره عام 1990 في المجلة الاقتصادية الأمريكية بعنوان «الدينامو والكمبيوتر»، قال فيه إن أجهزة الكمبيوتر ستسير في المسار نفسه: مكاسب بطيئة ومخيبة ما دامت الشركات تثبّت التكنولوجيا الجديدة على طرق العمل القديمة، ثم قفزة كبيرة حين تعيد البناء حولها. وهذا تمامًا هو الوضع الذي تعيشه شركات كثيرة اليوم مع الذكاء الاصطناعي: لقد وصلت محركًا كهربائيًا بالعمود القديم.

هل الذكاء الاصطناعي والذكاء الفائق تحول من النوع نفسه؟

يصف معظم الاقتصاديين الذكاء الاصطناعي بأنه تكنولوجيا عامة الغرض، مثل البخار والكهرباء والإنترنت: تكنولوجيا لا تنتمي إلى صناعة واحدة بل تغير معظم الصناعات. وما يجعل اللحظة الحالية مختلفة هو السرعة والطموح. فالشركات التي تبني الذكاء الاصطناعي لم تعد تتحدث عن أدوات أفضل فقط، بل عن الذكاء الفائق: ذكاء اصطناعي يتفوق على أفضل البشر في كل شيء تقريبًا.

خزانة خوادم بصفوف من مصابيح الحالة الخضراء
مراكز البيانات تتحول إلى محطات الكهرباء في اقتصاد الذكاء الاصطناعي. الصورة: Domaintechnik على Unsplash

وقد وصلت هذه اللغة الآن إلى الحكومات. ففي 29 سبتمبر 2026 وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا بعنوان «تدشين عصر الذكاء الفائق»، يوجه الوكالات الفيدرالية إلى تسمية الذكاء الاصطناعي «ذكاءً فائقًا» في مراسلاتها الرسمية، بحسب موقع نكست جوف. وبعد خمسة أيام أعلن الرئيس تشكيل «قوة الذكاء الفائق»، وهي فرقة عمل أمامها 120 يومًا لتقديم تقرير عن المخاطر والفرص، بحسب موقع تك كرانش. الأمر التنفيذي غيّر الاسم لا التكنولوجيا، فالذكاء الاصطناعي الحالي ليس ذكاءً فائقًا. لكن قادة هذا المجال يعتقدون أنه قادم، ويصفونه بلغة الأشياء التي كانت مستحيلة من قبل.

كتب سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، في مقاله «التفرد اللطيف» أننا «تجاوزنا أفق الحدث، والانطلاق قد بدأ». وتوقع أن يشهد عام 2026 «على الأرجح وصول أنظمة قادرة على التوصل إلى أفكار جديدة»، وأن يشهد عام 2027 «ربما وصول روبوتات تستطيع أداء مهام في العالم الحقيقي». وحذر أيضًا من أن هناك أجزاء صعبة جدًا، «مثل اختفاء فئات كاملة من الوظائف»، بينما رأى أننا سنكتشف أشياء جديدة نعملها وأشياء جديدة نريدها، كما حدث بعد الثورة الصناعية.

ووصف داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، الهدف في مقاله «آلات من النعمة المحبة» بأنه «دولة من العباقرة داخل مركز بيانات». ورأى أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد علماء الأحياء والأطباء على ضغط التقدم الذي كانوا سيحققونه خلال 50 إلى 100 عام المقبلة في 5 إلى 10 أعوام فقط. وسواء تحققت هذه التوقعات أم لا، لاحظ ما يصفه كلاهما: ليس خيولًا أسرع، بل أشياء جديدة.

وحجم الاستخدام ضخم بالفعل. فقد وصل عدد مستخدمي شات جي بي تي وحده إلى 900 مليون مستخدم أسبوعيًا في فبراير 2026، بحسب تك كرانش. والسؤال هو: فيم يستخدمه الناس؟ وإذا أردت الخلفية الكاملة عن كيفية وصول هذه الشركات ومؤسسيها إلى هنا، فمقالانا عن داريو أمودي وأنثروبيك وتطور التكنولوجيا من 1990 إلى 2026 يرويان هذه القصة.

هل ما زال معظم الناس يستخدمون الذكاء الاصطناعي كحصان أسرع؟

يستخدم معظم الناس الذكاء الاصطناعي بالطريقة التي استخدمت بها المصانع الكهرباء في البداية: لأداء العمل القديم أسرع قليلًا. يصنعون تصميمًا أجمل، أو فيديو أسرع، أو منشورًا يبدو احترافيًا، أو رسالة بريد أوضح. ولا عيب في ذلك، فهو يوفر الوقت. لكن أدلة 2026 تُظهر أنه نادرًا ما يغير شيئًا في الشركات.

وأوضح البيانات تأتي من استطلاع ماكنزي «حالة الذكاء الاصطناعي في 2026: على طريق العائد على الاستثمار»، المنشور في 25 أغسطس 2026، والقائم على 1,719 مشاركًا في 97 دولة. يقول نحو تسعة من كل عشرة مشاركين إن مؤسساتهم تستخدم الذكاء الاصطناعي بانتظام في وظيفة واحدة على الأقل من وظائفها، ويقول 80% إن الذكاء الاصطناعي حسّن إنتاجيتهم الفردية. ومع ذلك لا ينسب إلى الذكاء الاصطناعي أي أثر على الأرباح التشغيلية سوى 37%، وهي النسبة نفسها تقريبًا قبل عام، وظلت نسبة الشركات الأعلى أداءً في الذكاء الاصطناعي، أي التي تنسب إليه 5% على الأقل من أرباحها التشغيلية، ثابتة عند نحو 6%.

رسم بياني: كم مؤسسة تستخدم الذكاء الاصطناعي، وكم تشعر بإنتاجية أعلى، وكم ترى أثرًا على الأرباح، وكم تنتمي إلى الأعلى أداءً، بحسب ماكنزي 2026
الجميع تقريبًا يستخدم الذكاء الاصطناعي، لكن قلة من الشركات تتغير بسببه. ماكنزي، حالة الذكاء الاصطناعي في 2026. الرسم: Adams Analytics

فما الذي يميز هذه النسبة الصغيرة؟ إجابة ماكنزي هي درس الكهرباء نفسه. فنحو 80% من الشركات الأعلى أداءً ومن غيرها يسعون إلى الكفاءة بالذكاء الاصطناعي. لكن معظم الشركات الأعلى أداءً تستخدمه أيضًا لتحقيق النمو أو الابتكار، وهي أكثر من غيرها بـ3.3 مرة في نيتها استخدام الذكاء الاصطناعي لتحويل أعمالها جذريًا خلال ثلاث سنوات، ونحو ثلاثة أرباعها تقول إنها أعادت تصميم سير العمل جذريًا بسبب الذكاء الاصطناعي، مقابل ربع المشاركين الآخرين فقط. وبتعبير ماكنزي، تعيد الشركات الأعلى أداءً تصميم سير العمل حول الذكاء الاصطناعي «بدلًا من إدخاله في سير العمل القائم».

ووجدت مجموعة بوسطن الاستشارية النمط نفسه في مؤشر الذكاء الاصطناعي التطبيقي 2026، المنشور في 30 سبتمبر 2026 والقائم على أكثر من 1,300 من كبار المديرين. فقط 7.5% من الشركات مؤهلة لوصف «المبنية للمستقبل» في الذكاء الاصطناعي، بينما 41% في مرحلة التوسع، و47% ما زالت في البداية، و4.5% متعثرة. وتحقق الشركات المبنية للمستقبل نموًا في الإيرادات يعادل 2.4 مرة نمو الشركات في النصف الأدنى من العينة. وارتفع إنفاق الشركات على الذكاء الاصطناعي إلى 3.3% من إيراداتها، وتوصي المجموعة بأن يذهب معظم الجهد، أي 70%، إلى تغيير الأشخاص والتنظيم والعمليات لا إلى التكنولوجيا. بعبارة أخرى: التكنولوجيا هي الجزء السهل، وإعادة تصميم العمل هي الجزء الصعب، وفيها تكمن القيمة.

وهذا هو جوهر رأينا. استخدام الذكاء الاصطناعي لصنع التصميم نفسه أو الفيديو نفسه أو التقرير نفسه بسرعة أكبر هو مرحلة «العربة التي لا يجرها حصان». إنها مفيدة لكنها مؤقتة، لأن الجميع يستطيع فعلها أيضًا، وسعر هذا العمل سيقترب من الصفر. قوة الذكاء الاصطناعي ليست في أنه يجعلك تفعل الشيء نفسه أسرع وأرخص، بل في أنه يجعلك تفعل أشياء لم تكن تستطيع فعلها أصلًا.

ما الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله ولم يكن ممكنًا من قبل؟

أوضح الأمثلة تأتي من العلوم، حيث يحقق الذكاء الاصطناعي بالفعل نتائج لم يكن أي قدر إضافي من الجهد البشري سيحققها في الوقت نفسه.

عالمة تستخدم ماصة مع صف من أنابيب الاختبار
يفتح الذكاء الاصطناعي طرقًا جديدة في الطب والمواد لم يكن الجهد البشري وحده ليصل إليها في الوقت المناسب. الصورة: Julia Koblitz على Unsplash

بنية البروتينات. قد يستغرق تحديد شكل بروتين واحد في المختبر عدة سنوات ومئات الآلاف من الدولارات. أما نظام ألفافولد من ديب مايند فقد تنبأ بأكثر من 200 مليون بنية بروتينية، أي تقريبًا كل البروتينات المعروفة للعلم، ولقاعدة بياناته أكثر من ثلاثة ملايين مستخدم في أكثر من 190 دولة، بحسب ديب مايند. وتقاسم مطوراه ديميس هاسابيس وجون جمبر جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2024 عن هذا العمل. هذه ليست نسخة أسرع من عمل قديم، بل خريطة لعلم الأحياء لم تكن موجودة من قبل.

أدوية جديدة. استخدمت شركة إنسيليكو ميديسن الذكاء الاصطناعي التوليدي لاكتشاف هدف علاجي للتليف الرئوي مجهول السبب، وهو مرض في الرئة، ولتصميم جزيء يستهدفه. ولم يكن هذا الهدف، وهو بروتين يسمى «تي إن آي كيه»، قد رُبط بالتليف من قبل، بحسب أحد الباحثين الرئيسيين في التجربة. وفي 9 سبتمبر 2026 أعلنت الشركة إعطاء الجرعة الأولى لأول مريض في تجربة المرحلة الثالثة للدواء، واسمه رينتوسيرتيب، والمخطط أن تضم 320 مشاركًا في 47 مركزًا في الصين، بحسب إعلانها. وسواء نجح الدواء أم لا، فإن طريقة جديدة لاكتشاف الأدوية تُختبر أمام أعيننا.

مواد جديدة. في عام 2023 حدد نظام «جنوم» من ديب مايند 2.2 مليون بنية بلورية جديدة، وصفتها الشركة بأنها تعادل ما يقرب من 800 عام من المعرفة. ومن بينها 380 ألف بنية هي الأكثر استقرارًا والأنسب للتصنيع، وكان باحثون من خارج الشركة قد صنعوا 736 منها بالفعل في المختبرات، بحسب ديب مايند. والمواد الجديدة تعني بطاريات ورقائق وخلايا شمسية جديدة.

الطقس. في 25 فبراير 2025 بدأ المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى تشغيل نظامه للتنبؤ بالذكاء الاصطناعي إلى جانب نموذجه التقليدي القائم على الفيزياء. ويتفوق النظام الجديد على النماذج الفيزيائية في مقاييس كثيرة، بتحسن يصل إلى 20% في تتبع مسارات الأعاصير المدارية، ويستهلك طاقة أقل بنحو 1,000 مرة لإنتاج التوقع الواحد، بحسب المركز. والتوقعات الأرخص والأدق يمكن أن تصل إلى المزارعين وشركات الشحن والدول الفقيرة التي لم تكن تستطيع تحمل تكلفة الحواسيب الفائقة.

ويحدث الشيء نفسه خارج المختبر، في صناعات تستطيع أن تراها من الشارع.

سيارات بلا سائقين. حلت السيارة محل الحصان، والآن يحل الذكاء الاصطناعي محل السائق. فشركة وايمو تقدم الآن 500 ألف رحلة مدفوعة أسبوعيًا بسيارات أجرة ذاتية القيادة في 10 مدن أمريكية، بعدما كانت 50 ألف رحلة أسبوعيًا في مايو 2024، بحسب تك كرانش في مارس 2026. وفي مايو 2025 بدأت شركة أورورا إنوفيشن نقلًا تجاريًا بشاحنات بلا سائقين بين مدينتي دالاس وهيوستن، بحسب الشركة. والصناعة التي خلقتها السيارة قبل قرن يعاد بناؤها من الداخل.

سيارة وايمو بيضاء ذاتية القيادة في أحد شوارع المدينة
تقدم وايمو الآن 500 ألف رحلة مدفوعة أسبوعيًا في مدن أمريكية بلا أحد خلف المقود. الصورة: Aamy Dugiere على Unsplash

برمجيات للجميع. طوال خمسين عامًا كان بناء البرمجيات يحتاج إلى مبرمجين. أما الآن فيصف الناس ما يريدون بلغة عادية، ويكتب الذكاء الاصطناعي الشفرة. واختار قاموس كولينز تعبير «البرمجة بالإحساس» كلمةَ العام لعام 2025، ووصفه بأنه استخدام الذكاء الاصطناعي، بتوجيه من اللغة الطبيعية، لكتابة شفرة الكمبيوتر، بحسب إعلانه. يستطيع صاحب متجر أو معلم أو طبيب الآن أن يبني أداة لمشكلته الخاصة، وهذا كان مستحيلًا على معظم الناس قبل ثلاث سنوات فقط.

آلات تشتري نيابة عنك. في سبتمبر 2025 أطلقت شركتا سترايب وأوبن إيه آي طريقة تتيح للناس شراء المنتجات مباشرة داخل شات جي بي تي، بحسب سترايب، وأعلنت جوجل بروتوكولًا للمدفوعات التي يجريها وكلاء الذكاء الاصطناعي، بحسب جوجل كلاود. وإذا بدأ المساعدون الأذكياء التسوق نيابة عن الناس، فلا بد من إعادة تصميم سلسلة البيع على الإنترنت كلها، من صفحات المنتجات إلى الإعلانات إلى المدفوعات، من أجل عميل هو آلة.

ليس أي من هذه الأمثلة حصانًا أسرع. كل واحد منها قدرة جديدة، والقدرات الجديدة هي التي تولد منها الصناعات الجديدة.

ما الصناعات الجديدة التي يخلقها الذكاء الاصطناعي بالفعل؟

حين ظهرت السيارة ظهرت حولها صناعات جديدة: الوقود، والطرق، والتمويل، والضيافة، والإصلاح. والشيء نفسه يحدث حول الذكاء الاصطناعي. بعض هذه الصناعات كبير بالفعل، وبعضها ما زال في بدايته. والجدول التالي قراءتنا للأدلة الواردة في هذا المقال، وليس توقعًا لمن سيفوز من الشركات.

الصناعة الجديدةلماذا ظهرتما يقابلها في عصر السيارة
مراكز البيانات ورقائق الذكاء الاصطناعييحتاج الذكاء الاصطناعي إلى قدرة حوسبة هائلةمصانع السيارات ومصانع الصلب
الطاقة للذكاء الاصطناعيتحتاج مراكز البيانات إلى كهرباء بحجم دولتكرير النفط ومحطات الوقود
أدوية ومواد يكتشفها الذكاء الاصطناعييجد الذكاء الاصطناعي أهدافًا وجزيئات فاتت البشرصناعة الكيماويات التي قامت على النفط
النقل الذاتي والروبوتاتيستطيع الذكاء الاصطناعي القيادة والفرز والرفع والتجميعالنقل بالشاحنات والخدمات اللوجستية
وكلاء الذكاء الاصطناعي للشركاتبرمجيات ترد وتبيع وتنظم العمل بنفسهاوكالات البيع وشبكات الخدمة
المدفوعات والتجارة لوكلاء الذكاء الاصطناعيالعملاء الذين هم آلات يحتاجون إلى طرق جديدة للدفعقروض السيارات والائتمان الاستهلاكي
الاختبار والأمان والتأمين للذكاء الاصطناعيكل آلة قوية تخلق مخاطر جديدةتأمين السيارات وقواعد المرور والفحص الفني
البيانات والتدريب للذكاء الاصطناعيتحتاج النماذج إلى أمثلة ومراجعة وتقييم بشريقطع الغيار والصيانة
برمجيات يبنيها الذكاء الاصطناعي للشركات الصغيرةيستطيع أي شخص بناء أدوات بمجرد وصفهااقتصاد السيارات المستعملة وورش الإصلاح

والصفان الأولان من بين أكبر مشروعات البناء على الأرض بالفعل. فالوكالة الدولية للطاقة تتوقع أن يتضاعف الطلب على الكهرباء من مراكز البيانات في العالم بأكثر من مرتين بحلول عام 2030 ليصل إلى نحو 945 تيراواط ساعة، وهو ما يزيد قليلًا على استهلاك اليابان كلها من الكهرباء اليوم، وأن يتضاعف طلب مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي أكثر من أربع مرات، بحسب الوكالة. وهذا يعني محطات كهرباء جديدة، وخطوط نقل جديدة، وتقنيات تبريد جديدة، ووظائف جديدة للكهربائيين والمهندسين، تمامًا كما خلقت السيارات طلبًا على النفط والصلب والطرق.

صفوف من الألواح الشمسية تمتد عبر أرض واسعة تحت سماء صافية
يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى كهرباء بحجم دول، وهذا يخلق صناعة طاقة خاصة به. الصورة: Vlad Burac على Unsplash

والوظائف تتغير أيضًا. فتقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، والقائم على استطلاع أكثر من 1,000 شركة كبرى، يتوقع خلق 170 مليون وظيفة جديدة وزوال 92 مليون وظيفة بين عامي 2025 و2030، أي بزيادة صافية قدرها 78 مليون وظيفة، بحسب التقرير. وكثير من أسرع الوظائف نموًا في هذا التقرير لم تكن موجودة كمسميات وظيفية قبل جيل واحد. وإذا أردت أن تعرف أي الوظائف الحالية هي الأكثر عرضة للخطر، فقد تناولنا ذلك بالتفصيل في مقال ما الوظائف التي سيحل محلها الذكاء الاصطناعي؟.

ما الذي يغيره الذكاء الفائق في هذه القصة؟

لقصة الحصان جانب مزعج يجب أن نواجهه بصراحة: الخيول لم تجد وظائف جديدة. ففي عام 1983 حذّر الاقتصادي فاسيلي ليونتيف، الحائز على جائزة نوبل، من أن دور البشر بوصفهم أهم عناصر الإنتاج قد يتقلص كما تقلص دور الخيول في الزراعة ثم اختفى بعد ظهور الجرارات، في ندوة عام 1983 نشرتها الأكاديميات الوطنية الأمريكية. وقد انخفض عدد خيول المزارع وبغالها في الولايات المتحدة من أكثر من 25 مليونًا إلى أقل من 3 ملايين. بالنسبة إلى الخيول لم يكن عصر السيارة فرصة.

فأيهما نحن: الخيول أم السائقون؟ الفرق بين البشر والخيول أن البشر يستطيعون امتلاك الآلات الجديدة وتوجيهها، وأن يقرروا ماذا يبنون بها، وماذا يريدون. لم يكن الحصان يستطيع أن يصبح ميكانيكيًا أو يفتح محطة وقود، أما صانع العربات فكان يستطيع، وبعضهم فعل. هذه هي القراءة المتفائلة للتاريخ، وقد صمدت حتى الآن: كل موجة سابقة من الأتمتة خلقت عملًا جديدًا أكثر مما دمرت، رغم أن المرحلة الانتقالية كانت مؤلمة لمن علقوا فيها.

لكن الذكاء الفائق يرفع الرهان. فإذا أصبح الذكاء الاصطناعي في النهاية يؤدي معظم العمل الذهني أفضل من البشر، فلن تذهب الميزة إلى من يستطيع أداء مهمة، لأن الآلات ستؤدي المهمة. ستذهب إلى من يقررون أي المشكلات تستحق الحل، ومن يملكون البيانات والعلاقات مع العملاء والثقة، ومن يبنون الأنظمة التي تجمع بين الآلات والبشر. وألتمان نفسه يتوقع «اختفاء فئات كاملة من الوظائف»، وحذّر أمودي من أن الذكاء الاصطناعي قد يلغي نصف الوظائف المكتبية للمبتدئين خلال عام إلى خمسة أعوام، بحسب فورتشن. واستطلاعات الرأي تُظهر أن الناس قلقون، كما شرحنا في مقال هل يخاف الناس من الذكاء الاصطناعي والذكاء الفائق؟. والخلاصة الصادقة أن أحدًا لا يعرف بالضبط كيف ستنتهي هذه القصة.

لكن ما يخبرنا به التاريخ هو متى تكون النافذة مفتوحة. أفضل وقت للانتقال من صناعة العربات إلى صناعة هياكل السيارات كان قبل عام 1910 لا بعد عام 1925. وأفضل وقت لإعادة تصميم المصنع حول المحركات الكهربائية كان قبل أن يفعل المنافسون ذلك. ومع الذكاء الاصطناعي النافذة مفتوحة الآن، ما دامت معظم الشركات في مرحلة الحصان الأسرع، وما دامت الصناعات الجديدة ما زالت تتشكل.

رأينا: توقفوا عن استخدام تكنولوجيا الغد في عمل الأمس

هذا القسم رأينا، وهو مبني على الأدلة السابقة وعلى ما نراه كل يوم في عملنا مع المسوقين والوكالات في مصر والخليج.

الفرصة ليست أن تستخدم تكنولوجيا المستقبل في شغل الماضي، بل أن تكتشف شغل المستقبل الذي ستخلقه هذه التكنولوجيا. وهذا ما يعنيه ذلك عمليًا:

  1. اسأل عما كان مستحيلًا، لا عما يمكن أن يصبح أسرع. سؤال «كيف يجعل الذكاء الاصطناعي تصميماتي أسرع؟» سؤال حصان. أما سؤال «ما الذي أستطيع تقديمه الآن ولم يكن أحد يستطيع تقديمه من قبل؟» فهو سؤال سيارة.
  2. عرّف عملك بالحاجة لا بالمنتج. صانع العربات الذي باع «السفر المريح» صنع هياكل السيارات. والمصمم الذي يبيع «مبيعات أكثر للعميل» يستطيع أن يبني نظامًا يختبر ألف فكرة إعلانية في الأسبوع.
  3. ابن أنظمة لا مخرجات. تصميم جميل واحد مخرَج. أما نظام يتعلم أي التصميمات تبيع، ولأي عملاء، وينتج النسخة التالية تلقائيًا، فهو أصل.
  4. أعد تصميم سير العمل، لا المهمة وحدها. المصانع التي ربحت من الكهرباء أعادت بناء المصنع كله. فلا تضف الذكاء الاصطناعي إلى خطوة واحدة من عملية قديمة، بل أعد التفكير في العملية كلها.
  5. امتلك شيئًا لا تستطيع الآلة نسخه. بيانات عن عملائك، وعلاقات، ولغة محلية، وسمعة، وسوق متخصصة تفهمها أفضل من أي أحد. حين يصبح الذكاء رخيصًا تصبح هذه الأشياء ثمينة.
  6. تحرك مبكرًا، لكن جرّب على نطاق صغير. صنعت ستودبيكر سيارات كهربائية قبل سيارات البنزين ثم غيرت مسارها. أصحاب الخطوة الأولى يخطئون، لكنهم يتعلمون أولًا أيضًا.
  7. أبق البشر حيث يهم الحكم والثقة. كلما اتخذت الآلات قرارات أكثر، زادت قيمة أن تكون الشخص الذي يثق الناس به ليراجعها.
رسم توضيحي: ما الذي أصبح رخيصًا وما الذي أصبح ثمينًا في عصر السيارة وفي عصر الذكاء الاصطناعي
حين يصبح شيء رخيصًا يصبح شيء آخر ثمينًا. الرسم: Adams Analytics، وهو قراءتنا للتاريخ

وهناك طريقة بسيطة لتطبيق ذلك. كل تكنولوجيا تجعل شيئًا رخيصًا، وحين يصبح شيء رخيصًا يصبح شيء آخر ثمينًا. جعلت السيارات المسافة رخيصة، فأصبحت الأرض خارج المدن والبيوت في الضواحي ومراكز التسوق والسياحة وسلاسل البيع الوطنية ثمينة. والذكاء الاصطناعي يجعل الذكاء نفسه رخيصًا: الكتابة والتحليل والترجمة والتصميم والبرمجة. فتصبح الأشياء الثمينة هي الحكم السليم، والثقة، والوصول إلى العملاء، والبيانات، والذوق، والعمل في العالم المادي، والقدرة على تحويل كل ذلك إلى نظام يخدم عملاء حقيقيين.

ماذا يعني هذا لمصر والعالم العربي؟

العالم العربي لا يراقب هذا التحول من الخارج، فحكومات المنطقة جعلت الذكاء الاصطناعي أولوية وطنية. وتهدف الاستراتيجية الوطنية الثانية للذكاء الاصطناعي في مصر، للفترة من 2025 إلى 2030، إلى أن يساهم الذكاء الاصطناعي بنسبة 7.7% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030، وتدريب 30 ألف متخصص، ودعم 250 شركة ناشئة جديدة، وأن يستخدم 36% على الأقل من السكان أدوات الذكاء الاصطناعي في حياتهم اليومية، وبناء نموذج أساسي باللغة العربية، بحسب ملخص منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للاستراتيجية.

أفق القاهرة وبرج القاهرة عند الغروب كما يبدو من النيل
تهدف استراتيجية مصر الوطنية للذكاء الاصطناعي إلى أن يساهم بنسبة 7.7% من الناتج المحلي بحلول 2030. الصورة: Roaming Pictures على Unsplash

وفي السعودية أطلق صندوق الاستثمارات العامة شركة «هيوماين» عام 2025 برئاسة ولي العهد، لتعمل على امتداد سلسلة قيمة الذكاء الاصطناعي، من مراكز البيانات إلى واحد من أقوى النماذج اللغوية العربية متعددة الوسائط في العالم، بحسب صندوق الاستثمارات العامة. وفي الإمارات أعلنت مجموعة جي 42 مع أوبن إيه آي وأوراكل وإنفيديا وسيسكو وسوفت بنك مشروع «ستارجيت الإمارات»، وهو مجمع حوسبة بقدرة 1 جيجاواط داخل حرم للذكاء الاصطناعي بقدرة 5 جيجاواط في أبوظبي، ويُتوقع تشغيل أول 200 ميجاواط منه في 2026، بحسب جلف نيوز.

وقد تكون أكبر فرصة للمنطقة هي أبسطها: اللغة. فالعربية يستخدمها يوميًا أكثر من 400 مليون شخص، بحسب اليونسكو، ومع ذلك فإن نحو 0.6% فقط من المواقع المعروفة لغة محتواها مكتوبة بالعربية، بحسب موقع دبليو ثري تكس. وأنظمة الذكاء الاصطناعي تتعلم مما هو مكتوب، فالمنطقة الممثلة تمثيلًا ضعيفًا على الإنترنت ممثلة تمثيلًا ضعيفًا في الذكاء الاصطناعي أيضًا. وهذه الفجوة فرصة عمل لمن يبنون منتجات ذكاء اصطناعي عربية، ووكلاء صوتيين بالعربية، وأدوات تعليمية عربية، ومحتوى عربيًا تستطيع محركات الإجابة أن تثق به.

مزارع يقود جرارًا أحمر في حقل تحيط به أشجار النخيل
فعل الجرار بخيول المزارع ما قد يفعله الذكاء الاصطناعي بالعمل المكتبي الروتيني. والزراعة أيضًا من المجالات التي يستطيع فيها الذكاء الاصطناعي بناء شيء جديد. الصورة: Omar Abozeid على Unsplash

وفي رأينا، الخطر على مصر هو أن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي على أنه مجرد طريقة أرخص لإنتاج الخدمات التي تبيعها بالفعل: محتوى أرخص، ومراكز اتصال أرخص، وتصميم أرخص. هذا سباق نحو القاع، لأن الذكاء الاصطناعي سيجعل هذه الخدمات رخيصة في كل مكان. الفرصة هي أن تبني ما لم يكن موجودًا: أدوات ذكاء اصطناعي للمزارعين المصريين تقرأ بيانات التربة والمياه والطقس، ومعلمين أذكياء بالعربية يعلّمون ملايين الطلاب كلًا على حدة، ووكلاء يتيحون للبائعين المصريين الصغار خدمة عملاء في الخليج وأوروبا بلغاتهم، وأدوات صحية توصل المعرفة المتخصصة إلى القرى، وخدمات لا تستطيع الشركات الخليجية والعالمية بناءها بسهولة دون فرق ناطقة بالعربية تفهم السوق.

عربة يجرها حصان على طريق بالقرب من أحد أهرامات الجيزة
نادرًا ما تختفي الصناعات القديمة تمامًا. في الجيزة صارت عربات الخيل تحمل السياح بدلًا من البضائع. الصورة: George Livadhiotis على Unsplash

لدى مصر شباب، وجامعات تقنية، وقوة عمل رقمية كبيرة، وثقافة ريادة أعمال. وهذه بالضبط هي المكونات التي تهم حين تتشكل صناعات جديدة. وإذا أردت أن ترى كيف يستخدم المؤسسون الشباب الذكاء الاصطناعي لبناء أعمال حقيقية، فمقالنا عن التجارة الإلكترونية بالذكاء الاصطناعي والمؤسسين الشباب يفرق بين ما هو حقيقي وما هو مبالغة.

مطوران شابان يعملان على حاسوبين محمولين على طاولة خشبية
الصناعات الجديدة تبنيها فرق صغيرة تجرب الأشياء قبل أن يجربها الجميع. الصورة: algoleague على Unsplash

ماذا يعني هذا للمسوقين والوكالات ومشتري الإعلانات؟

التسويق من أوائل الصناعات التي يحدث فيها التحول من الحصان إلى السيارة أمام أعيننا. فجزء كبير مما باعته الوكالات لعقود، أي إنتاج التصميمات والفيديوهات والنصوص، أصبح رخيصًا. فميتا تسعى إلى أن تتيح للعلامات التجارية إنشاء الإعلانات واستهدافها بالكامل بأدواتها للذكاء الاصطناعي بحلول نهاية 2026، بحسب صحيفة وول ستريت جورنال، ووجدت جارتنر في مايو 2026 أن قادة التسويق يتوقعون أن تتضاعف نسبة أتمتة العمل التسويقي بالذكاء الاصطناعي لتصل إلى 36% بحلول 2028، بحسب جارتنر.

نسخة الحصان من وكالة الذكاء الاصطناعي تقول: «نصنع لك الآن تصميماتك أسرع وأرخص بالذكاء الاصطناعي». وهذا تحسن حقيقي، لكنه المنتج نفسه بسعر أقل، وسيستطيع العملاء قريبًا أن يفعلوه بأنفسهم. أما نسخة السيارة من وكالة الذكاء الاصطناعي فتبني أشياء لم تكن موجودة:

  • وكلاء مبيعات بالذكاء الاصطناعي يردون على كل عميل محتمل في واتساب وماسنجر باللهجة المصرية أو الخليجية خلال ثوان، ليلًا ونهارًا، ثم يحولون المشترين الجادين إلى إنسان.
  • أنظمة لاختبار الإعلانات تولّد مئات الأفكار الإعلانية أسبوعيًا وتطلقها وتقيّمها، وتتعلم أي الرسائل تبيع لأي جمهور.
  • تقارير لا تكتفي بعرض الأرقام، بل تشرح لماذا تغيرت النتائج وماذا تفعل بعد ذلك، وهو نوع التحليل الذي نبنيه في تقاريرنا.
  • الظهور في محركات الإجابة بالذكاء الاصطناعي: أن تضمن أنه حين يسأل شخص مساعدًا ذكيًا أي علامة تجارية يثق بها، يكون عميلك هو من يُرشَّح.
  • عروض جديدة تُسعّر على أساس النتائج لا الساعات، لأن الذكاء الاصطناعي يغير تكلفة وحدة العمل.

وعمل مشتري الإعلانات يتغير بالطريقة نفسها. فالذكاء الاصطناعي في ميتا يقوم الآن بجزء كبير من الاستهداف والمزايدة الذي كان مشترو الإعلانات يفعلونه يدويًا. والمشترون الذين سيكون لهم الشأن الأكبر هم من يفهمون العمل الذي تقف خلفه الإعلانات: العرض والعميل والأرقام، ومن يستطيعون بناء الأنظمة والإشراف عليها بدلًا من الضغط على الأزرار. وقد تناولنا ذلك بالتفصيل في مقال الذكاء الاصطناعي والذكاء الفائق ومستقبل شراء الإعلانات.

كيف تجد صناعات المستقبل؟

لا تحتاج إلى أن تتنبأ بالمستقبل كله لتشارك فيه. فالذين بنوا اقتصاد السيارة لم يعرفوا أنه سينتج الضواحي ومراكز التسوق. لقد حلّوا المشكلة التي أمامهم بالأداة الجديدة، فظهرت الفرصة التالية. وهذه سبعة أسئلة تساعدك:

  1. ما الذي هو مكلف أو بطيء أو مستحيل اليوم؟ مشكلات اقتصاد الخيول، أي الروث في كل شارع، وتكلفة إطعام الحيوانات، والبطء، ومحدودية المسافة، أصبحت نقاط البيع التي روجت بها صناعة السيارات. ابحث عن المشكلات المقابلة في صناعتك.
  2. ما الذي يجعله الذكاء الاصطناعي رخيصًا، وما الذي يصبح ثمينًا نتيجة لذلك؟ إذا أصبح التحليل والكتابة رخيصين، فما الذي يصبح نادرًا؟ عادة الثقة والبيانات والوصول إلى العملاء والحكم السليم.
  3. ما البنية التحتية الجديدة التي سيحتاجها الجميع؟ احتاجت السيارات إلى محطات الوقود قبل أي شيء آخر. والذكاء الاصطناعي يحتاج إلى البيانات والطاقة والربط بالبرمجيات الأخرى، وإلى من يجهزه ويشغله.
  4. ما المخاطر الجديدة التي تخلقها التكنولوجيا؟ خلقت السيارات التأمين وقواعد المرور والفحص الفني. والذكاء الاصطناعي يخلق الحاجة إلى المراجعة والأمان والتحقق والمساءلة.
  5. ما الذي يحتاجه عميلك فعلًا؟ ليس «تصميمًا» بل مبيعات أكثر، وليس «تقريرًا» بل قرارًا. ابن من أجل الحاجة، كما نصح ليفيت.
  6. أين ميزتك التي يصعب تقليدها؟ لغتك، ومعرفتك بالسوق المحلية، وعلاقاتك، وبياناتك. هذه أشياء يصعب على الشركات العالمية نسخها.
  7. ما الذي تستطيع تجربته هذا الشهر؟ كانت أولى سيارات ستودبيكر كهربائية لا تعمل بالبنزين. النسخة الأولى لا يجب أن تكون صحيحة، بل يجب أن توجد.

أهم النقاط

  • حين حلت السيارات محل الخيول اختفت صناعات كاملة وظهرت صناعات جديدة لم يتوقع كثير منها أحد: محطات الوقود، وقروض السيارات، والموتيلات، والطرق السريعة، والضواحي.
  • أكبر الرابحين، مثل ديورانت والإخوة فيشر وستودبيكر، جاءوا من الصناعة القديمة لكنهم عرّفوا عملهم بالحاجة لا بالمنتج.
  • التكنولوجيا الجديدة تُستخدم أولًا لأداء العمل القديم. واحتاجت الكهرباء نحو ثلاثين عامًا لتغيير المصانع لأنها لم تؤت ثمارها إلا بعد إعادة تصميم المصانع حولها.
  • في 2026 تستخدم كل الشركات تقريبًا الذكاء الاصطناعي، لكن نحو 6% فقط تحقق منه أرباحًا ملموسة بحسب ماكنزي، والفرق أنها تعيد تصميم عملها بدلًا من إضافة الذكاء الاصطناعي إلى الطريقة القديمة.
  • يحقق الذكاء الاصطناعي بالفعل ما كان مستحيلًا من قبل في الطب والمواد والطقس والنقل والبرمجيات، وتتشكل صناعات جديدة حول هذه القدرات.
  • الذكاء الفائق يرفع الرهان. ستذهب الميزة إلى من يملكون المشكلات والعملاء والبيانات والثقة ويبنون الأنظمة، لا إلى من يؤدون المهام فقط.
  • الفرصة لمصر والعالم العربي هي بناء منتجات وخدمات ذكاء اصطناعي عربية جديدة، لا مجرد إنتاج الخدمات القديمة بتكلفة أقل.

صناعات عام 2040 تبدأ الآن، وغالبًا على أيدي فرق صغيرة تجرب الأشياء قبل الجميع. والسؤال الذي بدأنا به هذا المقال هو السؤال الذي يهم: هل ستستخدم تكنولوجيا الغد لأداء عمل الأمس، أم ستبني ما سيأتي بعد ذلك؟

ابدأ تجربتك المجانية

أسئلة شائعة

ما الصناعات الجديدة التي سيخلقها الذكاء الاصطناعي؟

أوضحها بدأ يتشكل بالفعل: مراكز البيانات ورقائق الذكاء الاصطناعي، ومحطات الكهرباء والشبكات اللازمة له، والأدوية والمواد التي يكتشفها، والنقل الذاتي والروبوتات، ووكلاء الذكاء الاصطناعي للشركات، والمدفوعات التي يجريها الوكلاء، والاختبار والأمان والتأمين للذكاء الاصطناعي. وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن يتضاعف طلب مراكز البيانات على الكهرباء بأكثر من مرتين بحلول 2030.

ماذا حدث للصناعات التي قامت على الخيول؟

انكمشت واختفى معظمها. فقد انخفض عدد الخيول والبغال في المزارع الأمريكية من أكثر من 25 مليونًا عام 1920 إلى أقل من 3 ملايين عام 1959. وتكيفت بعض الشركات: تحول مصنع للسياط إلى خيوط الصيد، وصنع صانعو العربات هياكل السيارات وأسسوا جنرال موتورز.

ما الصناعات التي خلقتها السيارة؟

صناعة السيارات نفسها التي غيرها خط التجميع في مصنع فورد عام 1913، ثم محطات الوقود (1913)، وقروض السيارات (جي إم إيه سي، 1919)، والموتيلات (1925)، وبناء الطرق، وورش الإصلاح، والتأمين، ومدارس القيادة، والنقل بالشاحنات، والضواحي التي قامت حول السفر بالسيارة.

لماذا يستخدم الناس التكنولوجيا الجديدة لأداء العمل القديم أولًا؟

لأنهم يفهمونها من خلال التكنولوجيا القديمة التي تحل محلها. فقد استخدمت المصانع المحركات الكهربائية أولًا لتدوير الأعمدة القديمة نفسها، واحتاجت الكهرباء نحو ثلاثين عامًا لتؤتي ثمارها. وجاءت المكاسب حين أعيد تصميم المصانع حولها.

هل تحقق الشركات قيمة حقيقية من الذكاء الاصطناعي في 2026؟

قلة فقط. وجد استطلاع ماكنزي لعام 2026 أن نحو تسع من كل عشر مؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي وأن 80% من الناس يشعرون بإنتاجية أعلى، لكن 37% فقط يرون أي أثر على الأرباح، ونحو 6% فقط من الأعلى أداءً. وهذه القلة تعيد تصميم سير العمل بدلًا من إضافة الذكاء الاصطناعي إلى الطريقة القديمة.

ما الذي يغيره الذكاء الفائق؟

يرفع الرهان. فإذا أدى الذكاء الاصطناعي معظم العمل الذهني، ستذهب الميزة إلى من يملكون المشكلات والعملاء والبيانات والثقة ويبنون الأنظمة حول الذكاء الاصطناعي، لا إلى من يؤدون المهام فقط. ولا أحد يعرف بالضبط متى سيحدث ذلك.

ما الفرص التي يخلقها الذكاء الاصطناعي في مصر والعالم العربي؟

يستخدم العربية يوميًا أكثر من 400 مليون شخص، لكن نحو 0.6% فقط من المواقع مكتوبة بالعربية، فمنتجات الذكاء الاصطناعي العربية فجوة حقيقية. وتستهدف استراتيجية مصر أن يساهم الذكاء الاصطناعي بنسبة 7.7% من الناتج المحلي بحلول 2030. والزراعة والتعليم والصحة والخدمات الموجهة إلى الخليج مجالات قوية للبناء.

كيف يستخدم المسوق أو الوكالة الذكاء الاصطناعي لبناء شيء جديد؟

بدلًا من الاكتفاء بصنع التصميمات أسرع، ابن أنظمة: وكلاء مبيعات بالذكاء الاصطناعي يردون على عملاء واتساب بالعربية، وأنظمة لاختبار الإعلانات، وتقارير تشرح لماذا تغيرت النتائج، وظهورًا في محركات الإجابة بالذكاء الاصطناعي، وعروضًا تُسعّر على أساس النتائج.

المصادر

  1. التعداد الزراعي الأمريكي 1940 — الثروة الحيوانية ومنتجاتها: الخيول والبغال
  2. أولمستيد ورود — إعادة تشكيل الريف: أثر الجرار الزراعي وانتشاره في الزراعة الأمريكية من 1910 إلى 1960
  3. مجمع شركة السياط الأمريكية في وستفيلد بولاية ماساتشوستس
  4. التعداد الزراعي الأمريكي 1959 — ملخص بياني: الطاقة في المزارع والخيول والبغال
  5. الإدارة الفيدرالية الأمريكية للطرق السريعة — المركبات المسجلة سنويًا من 1900 إلى 1995
  6. متحف هنري فورد — خط التجميع المتحرك وسيارة موديل تي
  7. الجمعية الأمريكية لتاريخ النفط والغاز — أول مضخة وقود وأولى محطات الخدمة
  8. آلاي فايننشال — تاريخنا (جي إم إيه سي، 1919)
  9. قناة كيه إس بي واي — أول موتيل في العالم في سان لويس أوبيسبو يتم 100 عام
  10. جمعية مقاطعة جينيسي التاريخية — شركة ديورانت دورت للعربات
  11. فيشر لهياكل السيارات — تاريخ الشركة
  12. ستودبيكر — تاريخ الشركة
  13. قوانين القاطرات في المملكة المتحدة من 1861 إلى 1896
  14. رحلة السيارات القديمة من لندن إلى برايتون ورحلة التحرير عام 1896
  15. ثيودور ليفيت — قصر النظر التسويقي، مجلة هارفارد للأعمال
  16. كوت إنفستيجيتور — عملائي كانوا سيطلبون حصانًا أسرع
  17. أتكيسون وكيهو — الانتقال إلى اقتصاد جديد بعد الثورة الصناعية الثانية (المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية، 2001)
  18. نكست جوف — البيت الأبيض يكشف الأمر التنفيذي للذكاء الفائق واتفاق الشركات (سبتمبر 2026)
  19. تك كرانش — ترامب يعلن قوة الذكاء الفائق (4 أكتوبر 2026)
  20. سام ألتمان — التفرد اللطيف
  21. داريو أمودي — آلات من النعمة المحبة (أكتوبر 2024)
  22. تك كرانش — شات جي بي تي يصل إلى 900 مليون مستخدم أسبوعيًا (فبراير 2026)
  23. ماكنزي — حالة الذكاء الاصطناعي في 2026: على طريق العائد على الاستثمار (25 أغسطس 2026)
  24. مجموعة بوسطن الاستشارية — معادلة قيمة الذكاء الاصطناعي الوكيل، مؤشر الذكاء الاصطناعي التطبيقي 2026 (30 سبتمبر 2026)
  25. جوجل ديب مايند — ألفافولد
  26. جائزة نوبل في الكيمياء 2024 — ملخص
  27. إنسيليكو ميديسن — إعطاء أول مريض جرعة في تجربة المرحلة الثالثة لدواء رينتوسيرتيب (9 سبتمبر 2026)
  28. جوجل ديب مايند — اكتشاف ملايين المواد الجديدة بالتعلم العميق (نوفمبر 2023)
  29. المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى — توقعات الذكاء الاصطناعي تدخل التشغيل الفعلي (25 فبراير 2025)
  30. تك كرانش — قفزة ركاب وايمو في رسم بياني واحد (مارس 2026)
  31. أورورا إنوفيشن — بدء النقل التجاري بشاحنات بلا سائقين في تكساس (1 مايو 2025)
  32. قاموس كولينز — كلمة العام 2025: البرمجة بالإحساس
  33. سترايب — سترايب تشغّل الشراء الفوري داخل شات جي بي تي
  34. جوجل كلاود — الإعلان عن بروتوكول مدفوعات الوكلاء
  35. الوكالة الدولية للطاقة — الذكاء الاصطناعي سيرفع الطلب على الكهرباء من مراكز البيانات (10 أبريل 2025)
  36. المنتدى الاقتصادي العالمي — تقرير مستقبل الوظائف 2025
  37. الأكاديميات الوطنية الأمريكية — الأثر طويل المدى للتكنولوجيا في التوظيف والبطالة (1983): فاسيلي ليونتيف، المنظور الوطني
  38. فورتشن — الرئيس التنفيذي لأنثروبيك يحذر من أن الذكاء الاصطناعي قد يلغي نصف الوظائف المكتبية للمبتدئين (مايو 2025)
  39. مرصد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية — الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي في مصر، الإصدار الثاني من 2025 إلى 2030
  40. صندوق الاستثمارات العامة — ولي العهد يطلق شركة هيوماين قوةً عالمية في الذكاء الاصطناعي (مايو 2025)
  41. جلف نيوز — أوبن إيه آي تبني مركز ستارجيت الضخم للذكاء الاصطناعي في أبوظبي (مايو 2025)
  42. اليونسكو — اليوم العالمي للغة العربية
  43. دبليو ثري تكس — إحصاءات استخدام العربية لغةً لمحتوى المواقع
  44. وول ستريت جورنال عبر إيه أو إل — ميتا تسعى إلى أتمتة الإعلانات بالكامل بالذكاء الاصطناعي بحلول 2026
  45. جارتنر — قادة التسويق يتوقعون تضاعف أتمتة العمل التسويقي بالذكاء الاصطناعي إلى 36% بحلول 2028 (مايو 2026)

أرسل تقرير عميلك القادم في دقائق

يتصل Adams Analytics بحسابات إعلانات Meta ويُنشئ تقارير PDF تحمل شعارك بالعربية أو الإنجليزية. مجانًا لمدة 7 أيام دون بطاقة ائتمان.

ابدأ التجربة المجانية

كتبه فريق Adams Analytics وراجعه مقابل توثيق Meta ومنتجنا نفسه. وجدت معلومة لم تعد صحيحة؟ أخبرنا على support@buildincairo.com.